أبي الفرج الأصفهاني

301

الأغاني

حضرت الأنصار باب معاوية ومعهم النعمان بن بشير ، فخرج إليهم سعد أبو درّة ، وكان حاجب معاوية ، ثم حجب عبد الملك بن مروان ، فقال : استأذن لنا . فدخل ، فقال لمعاوية : الأنصار بالباب . فقال له عمرو بن العاص : ما هذا اللقب الذي قد جعلوه نسبا ؟ أرددهم إلى نسبهم . فقال معاوية : إن علينا في ذلك شناعة . قال : وما في ذلك ؟ إنما هي كلمة مكان كلمة ، ولا مردّ لها . فقال له معاوية : اخرج فناد من بالباب من ولد عمرو بن عامر فليدخل . فخرج فنادى بذلك ، فدخل من كان هناك منهم سوى الأنصار . فقال له : أخرج فناد من كان ههنا من الأوس والخزرج فليدخل . فخرج فنادى ذلك ، فوثب النعمان بن بشير ، فأنشأ يقول : يا سعد لا تعد الدعاء فما لنا نسب نجيب به سوى الأنصار نسب تخيره الإله لقومنا أثقل به نسبا على الكفار إن الذين ثووا ببدر منكم يوم القليب هم وقود النار وقام مغضبا وانصرف . فبعث معاوية فردّه ، فترضاه وقضى حوائجه وحوائج من حضر معه من الأنصار . مختار شعره ومن مختار شعر النعمان قوله ، رواها خالد بن كلثوم ، واخترت منها : إذا ذكرت أم الحويرث أخضلت دموعي على السربال أربعة سكبا [ 1 ] / كأني لما فرّقت بيننا النّوى أجاور في الأغلال تغلب أو كلبا / وكنا كماء العين والجفن لا ترى لواش بغى نقض الهوى بيننا إربا [ 2 ] فأمسى الوشاة غيّروا ودّ بيننا فلا صلة ترعى لديّ ولا قربى جرى بيننا سعي الوشاة فأصبحت كأنّي - ولم أذنب - جنيت لها ذنبا فإن تصرميني تصرمي بي واصلا لدي الود معراضا إذا ما التوى صعبا عزوفا إذا خاف الهوان عن الهوى ويأبى فلا يعطي مودته غصبا فإن أستطع أصبر وإن يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت كلفني نصبا [ 3 ] واخترت هذه الأبيات من قصيدة أخرى ، وأوّلها : أهيّج دمعك رسم الطلل عفا غير مطَّرد كالخلل [ 4 ] نعم فاستهلّ لعرفانه يسح ويهمي بفيض سبل [ 5 ] ديار الألوف وأترابها وأنت من الحب كالمختبل [ 6 ]

--> [ 1 ] أخضل الدمع الثوب : بله . وقد ضمنه الشاعر معنى سقط ، فعداه بعلي . [ 2 ] الجفن : كذا في ف ، مب . وفي الأصول : الحسير . تحريف . والإرب : الحاجة . [ 3 ] النصب : الداء والبلاء والشر . [ 4 ] الخلل : جمع خلة ، وهي بطانة تنقش بالذهب ، يغشى بها جفن السيف . [ 5 ] استهل : جرى وسال . والسيل : المطر الجود الهاطل . ورواية الشطر الثاني في « الديوان » ص 10 : « سراعا وجادت بفيض سبل » . [ 6 ] رواية الشطر الثاني في « الديوان » : « إذا أنت ملحب كالمختبل » .